ابن ملقن
19
طبقات الأولياء
حرفيا ، وإنما يتمثل المعنى العام المقتبس ، ويصهره في بوتقة إسلامية خالصة ، حتى يصبح وله خصائص جديدة تقوم على عقيدة حقيقة ، وليس على عقيدة جزافية تتغير من شخص لآخر . ومن خصائص هذا النوع من الاقتباس ألا يكون إلا لما اتفق مع شريعة الإسلام وحدها ، أو لما كان يمكن تطويعه لها ، وذلك كقولهم في المعرفة والوحدة ، وهي أقوال تختلف اختلافا واضحا عن أقوال الفلاسفة الأقدمين كما سنبينه في موضعه إن شاء اللّه تعالى . على أن الحقيقة مطروحة أمام العقول والأنظار ، وقد حث الإسلام الناس جميعا على النظر والتأمل والتدبر والتفقه ، فمن كان على غير شريعة من اللّه فلا مانع من أن يصل إلى بعض هذه الحقائق بنظره وفكره ، وأما من كان على هدى وبينة من اللّه فإنه يصل إلى كل الحقيقة لا إلى بعضها . فإذا وصل اليوناني أو الروماني أو الهندي إلى شيء من الحقيقة ، ثم وصل المسلم إلى الحقيقة كلها ، فإنه بالضرورة سيحتوى الأجزاء السابقة من الحقيقة ، والتي عثر عليها سلفه ضمن ما وصل إليه من الحقيقة الكلية الجامعة . فهل يقال حينئذ : إن المسلم عالة على من سبقه في المعرفة ؟ . ويدل على هذا الرأي الذي أراه : أن التراث الإسلامي الصوفي من الكثرة بحيث يفوق ما كتبه السابقون على الإسلام مجتمعين كمّا وكيفا ، فإن كان المسلمون مجرد مقتبسين فمن أين جاءت هذه الزيادات الضخمة التي تفوقوا بها على تراث العالم القديم ؟ . وإذا كان واحد أو اثنان أو عشرة من مئات قد قلد واقتبس ، وكان عالة على فكر غيره ، فإن ذلك ليس معناه أن العلم موضوع الاقتباس ، كله اقتباس وتقليد ، بل إن الحكم لا بد أن يكون بقدره ، ولا يزيد عليه . ولا أحب أن أستطرد في هذا الموضوع أكثر من ذلك ؛ لأن الباحثين